هشام جعيط
85
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
من لبن ، على أنّ ماسينيون يماثلها بصفوف الخيام « 1 » . وأخيرا ، لم تشيد الكوفة حقا إلا في العصر الأموي ، خلال ولاية زياد ، حيث استخدم الآجر المعهود في بلاد الرافدين . هذا التصور جذاب حقّا وهو تصوّر تحتل فيه لوازم البناء مكانا مهما في بلورة الكوفة وتحولها إلى مدينة ، كما أن واقع الترحال العسكري يخول إضفاء صفة المعسكر والمدينة - المعسكر على الكوفة . وتؤيد هذا التصور القريب من المعقول إشارة وردت لدى البلاذري وجاء فيها أن أهل البصرة ، كانوا في بداية الأمر يقلعون خصاص القصب قبل الخروج إلى القتال « 2 » ، ويتحدث ابن سعد من جهته في خصوص الكوفة عن الخيام وأهل الخيام كما ورد أنّ أغلب سكان الكوفة كانوا يسكنون بيوت القصب « 3 » . إلّا أننا لا نعثر على أي أثر في أقدم النصوص ، نعني سيفا كما رواه الطبري « 4 » ، لوصف مثل هذه الطريقة البطيئة المتسقة المتبعة في بناء الكوفة قبل ولاية زياد ، أي الكوفة كما كانت في خلافة عمر ، ولم نجد أثرا لذلك في فتوح البلدان للبلاذري « 5 » . وتعتمد هذه الصورة تماما على خبر عارض رواه ياقوت وانفرد بروايته ( القرن السابع / القرن الثالث عشر « 6 » . يتحدث ياقوت بالخصوص عن خصاص من قصب كانت تقتلع في كل حملة ، حين كانت النساء ترافق المقاتلة إلى الحرب ، كما يتحدث عما سنه الوالي المغيرة بن شعبة من تغيير ( دون تحديد للتاريخ ، 22 - 24 ه . أو 41 - 50 ه في خلافة معاوية ؟ ) « 7 » لكن مقولة ياقوت عن الكوفة ، ومقولته عن البصرة أيضا ، اقتبستا أغلب موادهما عن البلاذري . فما هو مصدر هذه الزيادات ؟ سبق لصالح العلي أن لاحظ أن مصدر الفروق الطفيفة الموجودة بين البلاذري وياقوت بخصوص البصرة ، يتمثل في تآليف مفقودة ، منها كتاب الساجي خاصة « 8 » . لكن ما الرأي بشأن
--> ( 1 ) يتحدث ماسينيون بعد ذلك عما ذكره سيف من مناهج ورواه الطبري ، ج 4 ، ص 45 ، وسنرى ذلك ، فيقول إنها عبارة عن صفوف من الخيام . ثم يقول : « إن القائمة الوحيدة المتوفرة بخصوص صفوف المساكن يرجع عهدها إلى الفترة الأولى . كان التصفيف ينطلق من الجامع . ويشمل خمسة عشر منهجا ( يعني صفوف الخيام ) كما حددها سعد للقبائل » : . Massignon . pp . 44 - 45 . وقد أكد الشيخ علي الشرقي الشيء نفسه ، واقتبس عنه البراقي ، ص 117 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 342 . ( 3 ) الطبقات ، ج 6 ، ص 6 و 7 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 40 - 48 . ( 5 ) فتوح البلدان ، ص 274 - 277 . ( 6 ) معجم البلدان ، ج 4 ، ص 491 . ( 7 ) يقع اختيار علي الشرقي وماسينيون على الفترة الأولى : . Massignon , op . cit . , p . 38 . ( 8 ) التنظيمات ، ص 23 ؛ أعاد العلي إلى الأذهان ضمن ما ذكره من مصادر ، مرجع مذكور ، ص 150 ، أن مصدر البلاذري الرئيسي في خصوص الكوفة هو أبو مسعود الكوفي الذي لم يعثر له على ترجمة في أي كتاب ، لكن يبدو أنّه عاش في بداية القرن الثاث الهجري . ويعود الخبر الذي رواه ياقوت إلى ابن عباس ، دون سند وسيط : انظر -